شعب المقاومة ومناورات الدوافع

صورٌ مؤثرة من غزة يتمّ نقلها إلى الرأي العام العالمي والسياسيين الوطنيين والدوليين: الفتية الذين أصيبوا بالإعاقة في أجسادهم بسبب الهجمات الوحشية للنظام الصهيوني، يعودون الآن بالعصيّ في أيديهم مع إعادة فتح المدارس؛ العائلة المتمسكة بمنزلها المدمر، نصبت خيمة وبدأت الحياة من جديدٍ في الوطن؛ الناس الذين تجمّعوا بجوار الأنقاض لتأدية صلاة الجمعة، وصور العشرات من مقاتلي حماس والجهاد الإسلامي وهم يتجمعون في ساحة فلسطين بغزة لتسليم الأسرى الإسرائيليين. كل هذا يعني أنّ الحياة مستمرة في أمّة المقاومة، وعندما تستمر الحياة فهذا يعني أنّ المقاومة مستمرة. وعلى حد تعبير الشهيد نصرالله: «ثقافة المقاومة هي ثقافة حياة وليست ثقافة موت».
نتنياهو، الذي أعلن في أيلول/ سبتمبر من هذا العام، وفي الأمم المتحدة، استسلام حماس ونزع سلاحها وإطلاق سراح الرهائن كشرطٍ مسبق لإنهاء الحرب، اضطر إلى قبول وقف إطلاق النار مع حماس، التي لم تستسلم، بل إنّها لم تلقِ سلاحها حتى، وحوّلت إطلاق سراح الأسرى إلى عمليّة تبادلٍ للأسرى. في حين حاول نظام الهيمنة جاهداً، على امتداد التطوّرات الميدانيّة وعبر التوظيف المركّب لتقنيات الاتصال والأخبار الكاذبة والتلاعب بالتصورات والعواطف، التأثير سلباً في ثقة شعب المقاومة وإيمانه بالمسار الحالي والمستقبلي عبر اللجوء إلى التكاليف التي تكبّدتها جبهة المقاومة، لكنّ موجةً من الانتقادات توجه الآن إلى رئيس وزراء هذا النظام.
وحتى لو لم يأخذوا في الحسبان فشل إسرائيل في القضاء على حماس، والانسحاب من لبنان، وتشويه سمعتهم لدى الرأي العام العالمي والساحة الدولية، والأهم من ذلك، الضربة الأساسيّة والإستراتيجيّة عبر عملية «طوفان الأقصى»، فإنّ ردود الأفعال الهستيرية والعصبية تجاه قبول وقف إطلاق النار بين الصهاينة، تشي بأمرٍ آخر. فمن استقالة بن غفير، وزير الأمن القومي في النظام، واثنين من وزراء حزبه، إلى التهديد باستقالة وزير المالية الإسرائيلي سموترتيش، والمطالبة باستئناف الحرب، من تصريحات نائب الكنيست الذي وصف أعضاء هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي بـ«الحمير الفاشلة» إلى الصحافي الصهيوني الذي راح يطلق سيلاً من الأوامر الجديدة على شعب غزة.
إلا أنّه وعلى المقلب الآخر، كشف أهل غزة ولبنان مرةً أخرى حسابات العدو الخاطئة عبر التنفيذ الناجح لـ«تدريب الحوافز». لأن «جبهة المقاومة ليست مجرّد عتاد مادّي لتنكسر أو تنهار أو تزول. المقاومة إيمان، وفكر، وقرارٌ قلبي وحاسم. المقاومة مدرسةٌ، وهي مدرسةٌ عقديّة. إنّها ما يؤمن به عددٌ من الناس، وليست اتفاقاً عارضاً، ولا يقتصر الأمر على عدم ضعفها بممارسة الضغوط، بل ستغدو أكثر قوّة. أفراد جبهة المقاومة وعناصرها، تتعزّز دوافعهم مع رؤيتهم الخبائث، وإنّ رقعة جبهة المقاومة تزداد اتّساعاً. هي تزداد صلابة بقدر فرضكم الضغوط، وتتعزّز دوافعها بقدر ارتكابكم الجرائم، وتتّسع أكثر بقدر قتالكم ضدّها، وأقولها لكم: سوف يشمل نطاق المقاومة المنطقة بأسرها، أكثر من السّابق، بحول الله وقوّته. هكذا هي المقاومة» (الإمام الخامنئي 2024/12/11).
إنّ أهم خطة للعدو في هذه المرحلة هي زرع فكرة الضعف والفشل في أذهان أمّة المقاومة. ورغم أنّ مناورات النصر بين أهل غزة تظهر أن هذا الدافع لا يزال حيّاً وديناميكيّاً، إلا أنه يجب الحذر دائماً من همزات الشياطين وكيد الأعداء. كان تصوّر العدو أنه بسبب التكاليف التي تكبدتها جبهة المقاومة، ستتصلّب هذه المرة الإرادة ويجفّ نبض الحافزيّة لدى شعب المقاومة، لكن مناورات الدوافع في غزة أظهرت أن العدو أخطأ هذه المرة في حساباته. لقد أظهرت المقاومة مرةً أخرى أنها تخلق لنفسها فرصاً فريدة من قلب الأزمات. لكن يبدو أن العدو هذه المرة سيصبّ تركيزه على دوافع المقاومة أكثر من ذي قبل. ولذلك رأيناه يخطّط ويحاول استهداف الأمل ودوافع المقاومة وأسلوبها في تعزيز هذه الدوافع؛ لأنه «يجب أن نعقد الأمل على الهداية الإلهيّة والعون الإلهي، وعلى القوّة التي منحها الله لهذه الشعوب. تماماً في النقطة المقابلة لذاك العمل الذي يرغب العدوّ في فعله، إذ يسعى إلى سلب قلوب شبابنا الأمل وأن يصيبهم باليأس» (الإمام الخامنئي 2025/1/8).
ولا ينبغي السماح للعدو بإطفاء الدوافع التي تشتعل جذوتها في قلوب شعب المقاومة المظلوم. شعلة الأمل التي انبعثت من قلب هذه الأزمة، يمكن أن تخلق أفضل فرصة لمستقبل المقاومة. وطبعاً، بحسب قائد المقاومة الشهيد الحاج قاسم سليماني، فإن شرط النجاح هو «لا تخافوا ولا تخيفوا». إنّ أمام جبهة المقاومة طريقاً طويلاً ومنيراً، وعليها أن تستمر في طريقها بنشاطٍ وأملٍ وصلابة؛ لأنه «ما دام هناك شركٌ وكفرٌ فهناك جهاد، وما دام هناك جهادٌ فنحن موجودون» (الإمام الخميني 20/07/1988).
* كاتب إيراني
